أبي حيان الأندلسي

195

البحر المحيط في التفسير

بين معمول الصلة وبينها بالخبر الذي هو خير ، لأن تصوموا في موضع مبتدأ ، أي : وصيامكم خير لكم ، ولو قلت : أن يضرب زيدا شديد ، وأن تضرب شديد زيدا ، لم يجز . وأدغمت فرقة شهر رمضان . قال ابن عطية : وذلك لا تقتضيه الأصول لاجتماع الساكنين فيه ، يعني بالأصول أصول ما قرره أكثر البصريين ، لأن ما قبل الراء في شهر حرف صحيح ، فلو كان في حرف علة لجاز بإجماع منهم ، نحو : هذا ثوب بكر ، لأن فيه لكونه حرف علة مدّا أمّا ولم تقصر لغة العرب على ما نقله أكثر البصريين ، ولا على ما اختاروه ، بل إذا صح النقل وجب المصير إليه . . الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ : تقدّم إعرابه ، وظاهره أنه ظرف لإنزال القرآن ، والقرآن يعم الجميع ظاهرا ، ولم يبين محل الإنزال ، فعن ابن عباس أنه أنزل جميعه إلى سماء الدنيا ليلة أربع وعشرين من رمضان ، ثم أنزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منجما . وقيل : الإنزال هنا هو على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فيكون القرآن مما عبر بكله عن بعضه ، والمعنى بدئ بإنزاله فيه على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك في الرابع والعشرين من رمضان . أو تكون الألف واللام فيه لتعريف الماهية ، كما تقول : أكلت اللحم ، لا تريد استغراق الإفراد ، إنما تريد تعريف الماهية . وقيل معنى : أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أن جبريل كان يعارض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في رمضان بما أنزل اللّه عليه ، فيمحو اللّه ما يشاء ويثبت ما يشاء قاله الشعبي ؛ فيكون الإنزال عبر به عن المعارضة . وقيل : أنزل في فرضية صومه القرآن ، وفي شأنه القرآن ، كما تقول : أنزل في عائشة قرآن . والقرآن الذي نزل هو قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ قاله مجاهد ، والضحاك . وقال سفيان بن عيينة : في فضله ، وقيل : المعنى . أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أي أنزل من اللوح المحفوظ إلى السفرة في سماء الدنيا في ليلة القدر من عشرين شهرا ، ونزل به جبريل في عشرين سنة . قاله مقاتل . و روى واثلة بن الأسقع عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان ، والتوراة لست مضين منه ، والإنجيل لثلاث عشرة ، والقرآن لأربع وعشرين » . و في رواية أبي ذر : « نزلت صحف إبراهيم في ثلاث مضين من رمضان ، وإنجيل عيسى في ثمانية عشر » ، والجمع بين الروايتين بأن رواية واثلة أخبر فيها عن ابتداء نزول الصحف والإنجيل ، ورواية أبي ذر أخبر فيها عن انتهاء النزول .